عبدالله الصاعدي
18-Dec-2008, 04:12 PM
خبر آدم
عباد الله .. خلق الله الخلق بقدرته , وأقام الملكوت بعزته ، فسبحانه من خالق يسبح الرعد بحمده ، والملائكة من خيفته ، والإنسان خلق من خلق الله ،وذره حقيرة من هذا الملكوت العظيم يقول تعالى ((أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين)) , هذا المخلوق فضله الله وكرمه ، وسخر له من النعم ما لا يحصى وألهمه ..لما أراد الله إيجاده ،جمع من الأرض من التراب ألوانا ، فقبض من جميع الأرض حتى كونها إنسانا.. فخرج بنو ادم في ألوان شتى، وبطبائع متباينة ، منهم اللين والصعب ، والأسود والأبيض ، والأحمر والأشقر ، وأصلهم واحد قال تعالى (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا )) ويقول صلى الله عليه وسلم (( كلكم لآدم وآدم من تراب)) فكون الله آدم أبانا من تراب فنحن من تراب والتراب لابد أن يكون مرجعه إلى التراب .
عباد الله..لقد مر خلق أبينا آدم بمراحل شتى أولها تراب ثم طين لازب ثم اشتد فغلظ فأصبح كالفخار ، فتركب الجسد بقدرة الباري جسداً بلا روح ،وتمثالاً بلا حراك .. والمرء أيها الناس مراحل تتوالى ، وحياة تفنى يقول المولى جل وعلا ((لتركبن طبقا عن طبق))أي حالا بعد حال .
أيها الإنسان ..خلق الله أباك آدم عليه السلام بيديه المقدسة تكريماً وتشريفاً فأبقاه في الجنة تمثالا ً قائماً فكان إبليس يمر عليه ويطيف به ينظر إليه ، فلما رآه أجوف عرف انه خلق لا يتمالك.
وربنا سبحانه خلقنا ضعفاء فقراء فعلم ذلك ولذا أنزل علينا ما ندفع به شر الشيطان وأخبرنا انه كيد الشيطان كان ضعيفا ليس له سلطان إلا على الذين يتولونه ويطيعونه..ولا قدرة للمرء على دفع كيد الشيطان إلا بالله يقول تعالى لإبليس ((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)) .
أيها الإنسان ...لما أراد الله تعالى بث الحركة في أبيك آدم نفخ فيه الروح،فدبت الحياة في أعضائه تأثر خيشومه فعطس فحمد الله فقال له ربك يرحمك الله يا آدم .
نعم أيها الإنسان ...أول كلمة نطق بها أبوك : الحمد لله , فالله ربنا له الحمد ويحب الحمد وهو أهل للحمد وله الحمد في المبدأ و المنتقى فحري بالمسلم أن يحمد الله تعالى على نعمه العظيمة ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها )) , لقد حمد الله نفسه عند بدء الخلق و في نهايته ، وأهل الجنة يحمدونه لكمال فضله ، وأهل النار يحمدونه لكمال عدله قال تعالى: ((وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ))وإن الرب سبحانه ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها.
أيها المسلم ...نفخ الله في أبيك الروح كما أمر جبريل ينفخها في جيب مريم فكما جعل الله تعالى التراب جسداً يتحرك بقدرته جعل امرأه تحمل جنيناً بلا زوج يقول تعالى ((إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون )) نفخ الله الروح في آدم عليه السلام بعد العصر في يوم الجمعة وهو خير أيام الأسبوع فيه خلق أبونا ، وفيه ادخل الجنة وفيه اخرج منها وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة.
كان أبوك آدم أيها المسلم ستون ذراعا ً في صورة جميلة خلق كامل لا نقص فيه ، صوره ربك فأحسن صورته ، شق له سمعه وبصره بحوله وقوته "فتبارك الله أحسن الخالقين" ومن صور ذا روح من غير ضرورة فقد ضاها الله في خلقه والمصورون أشد الناس عذابا يوم القيامة .
وهكذا قام جسد أبيك وأصبح التراب قلبا ًيعقل وعينا تبصر وأذنًا تسمع وجوارح تتحرك ، لقد أصبح التراب ذا إدراك وشعور ،وذا حزن وسرور لقد أودع الله فيه من الإبداع ما لا يحصى وصدق ربك إذ يقول "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" .
أيها الإنسان ...خلق الله أباك عليه السلام ثم قال له : يا آدم اذهب إلى أولئك النفر أي من الملائكة فسلم عليهم فاستمع ما يحيونك ، فإنها تحيتك و تحية ذريتك, فذهب فقال السلام عليكم.فقالوا :وعليكم السلام ورحمة الله . فقالوا:وعليكم والسر في ذلك والله أعلم أن آدم يحمل في صلبه أقواما مؤمنين يتعاقبون بعده،وأنت تقول في صلاتك: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين, وكثير من المسلمين اليوم رضي بتحية الإفرنج ورطالة غير المسلمين "أيبتغون عندهم العزة"وهم أهون على الله من البهائم "والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام "وهذا في الدنيا وبعد ذلك أين مقرهم وماهي حقيقتهم قال سبحانه"والنار مثوى لهم".
يا عبد الله .. لقد أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم سجود تحية لا عبادة: فأذعنوا كلهم لأنهم لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وكان إبليس من الجن ففسق وأعرض وقدم رأيه على أمر الله وأخذ يتبجح برأيه ويحط من أمر الله تكبرا وعناد"قال أنا خير منه"ثم دلل على خيريته بما يضحك منه العقلاء فقال: "خلقتني من نار وخلقته من طين "ومتى كانت النار خيرا من الطين؟تحرمه الأشجار والطين تنبت فيه الأزهار ولكنه الكبر والعناد فباء بغضب من رب العباد فطرده الله ولعنه , وأخرجه وأهانه, وتأمل يا من تترك الصلوات لقد أعرض إبليس عن سجدة واحدة وفي المسلمين من يسمع النداء ويأبى إلا النوم و الإعراض فيا ليت شعري أي مصير يرجوه ؟ وأي حال يتمناه؟ فليحذر تارك الصلاة من سخط الله, فالله بالمرصاد باء إبليس بالخذلان لأنه قدم رأيه على أمر ربه والدين ليس بالرأي بل هو الانقياد والإتباع يقول علي :لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه , ويقول عمر:إنا نتبع ولا نبتدع ونقتدي ولا نبتدي ، مانضل إن تمسكنا بالأثر".
أيها المسلم ...أمر ربك آدم عليه السلام فقال" يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة" ثم نهاه عن الأكل من شجرة في الجنة وليس في الجنة شجرة لايصلح للأكل ولكن الله يفعل ما يشاء, فنهى آدم امتحاناً ليظهر وهو يعلم أن آدم لا يصلح في خلقه هذا أن يسكن الجنة وأنه ركب لدار الابتلاء فلما أمره مازال إبليس يغريه ويقسم له حتى أوقع أباك في حمإ المعصية فبدت عورة آدم وحواء فطفقا يخطفان عليهما من ورق الجنة .
فيا عبد الله .. لقد أكل أبوك من الشجرة ليخلد في الجنة فطلب الخلود من غير أمر الله فحرم ذلك, كما طلب يوسف الخروج من السجن بأمر لا يريده الله فلبث في السجن بضع سنين, ومن طلب رضا الله بغير أمر الله نال الخذلان ومن أصر على معصية الله ظهرت عورته وفضح أمره وأي عورة أشد من ضياع الدين وانعدام الراحة وحرمان الرزق مع لذة الإيمان , ثم نادى الله آدم وحواء فقال" ألم أنهاكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين" فوبخهما على انتهاك نهيه أولا ثم عاتبهما على نسيان عداوة الشيطان ، وهذان الأمران أعني غلبة الشهوة ثم النقلة عن عداوة الشيطان للعبد هما السبب الواضح في اقتحام الذنوب ، ومن غلب شهوته واستحضر عداوة الشيطان له هانت عليه الذنوب وتيسر له البعد عن المعاصي ولو أذنب رجع وأناب ، ولم يصر على الأعراض وأعلم أن الغفلة داء عضال ، وسم قاتل يميت النفس ،لا يخاف الغافل عاره،ولا يخشى الله ناره ،ونسي المحروم قول الحي القيوم "استجيبوا أمر ربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله مالكم من ملجأ يومئذ ومالكم من نكير ".
أيها المسلم ...لما عاتب ربك أباك، وندم أبوك ندم عظيما، وافتقر إلى الله افتقارا جليلا, فاعترف بان الظلم منه ، والله منزه عنه أما عدوك إبليس فنزه نفسه عن النقص ورمى حكم الله بالظلم , اعترف أبوك بأنه لا راحم إلا الله فأذعن, أما إبليس فليس إلا خبث الكبر فلم يستنكن, أفتتخذه صديقا لك يلعب بك على أي حال ذات اليمين وذات الشمال, لقد تاب أبوك وافتقر لخالقنا ، ولهجت معه أمنا لرازقنا "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا" فاعترفا بالعيب والنقص ولله الكمال من كل وجه ثم افتقرا إلى رحمة ربنا فقالا"وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" فأدركت أباك رحمة خالقه ، وحفته نفحة موجده ، فاجتباه ربك وقربه فغفر الذنب وزالت العقوبة وظهر علم الله في ادم وأنه ركب في خلق لا يصلح لسكنى الجنة بل خلق لدار الابتلاء قال تعالى"تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير , الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" والله إذا تاب على عبده لا يأخذه بالتبعة, فكن يامسلم كأبيك حينما غلب الهوى وتاب من زلته فربك لا يحجبك عن رحمته, وأبوك اقترف ذنباً واحداً ومع هذا يأتيه بنوه يوم القيامة فيقولون له "يا آدم أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك , اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ماقد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا، لم يغضب قبله مثله ،ولن يغضب بعده مثله , وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته , نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري , فاحذر ياعبد الله الذنوب فإنها وبال فطوبى لمن تاب واعتذر، ويا حسرة من تكبر وأدبر
لقد عاش آدم عليه السلام ما شاء الله أن يعيش،ولما حضره الموت قال لبنيه: أي بني ، إني اشتهي من ثمار الجنة فذهبوا يطلبون له. فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل , فقالوا لهم : يا بني ادم , ما تريدون وأين تذهبون؟ قالوا:أبونا مريض فاشتهى من ثمار الجنة ، قالوا لهم:ارجعوا فقد قضي قضاء أبيكم فجاءوا فلما رأت حواء الملائكة عرفتهم فلاذت بآدم لعلها تريد منه أن يختار الدنيا لان الأنبياء يخيرون عند الموت فلذا قال لها آدم عليه السلام :إليك عني فإني أوتيت من قبلك يشير إلي حادثة أكله من الشجرة وقال لها : خلي بيني وبين ملائكة ربي تبارك وتعالى فلما جلسوا عنده قبضوا روحه فهي أول روح تقبض , ثم رجع جسده كما كان قبل النفخ فيه كأن لم يكن ثم غسلته الملائكة وكفنوه وحنطوه ، وحفروا له وألحدوا له ، وصلوا عليه ثم دخلوا قبره ووضعوه فيه ووضعوا عليه اللبن فخرجوا فحثوا عليه التراب فرجع إلى ماكان وقالوا لبنيه:هذه سنتكم .
عباد الله..اشتاق أبونا لداره الأولى فاشتهى شيئا من ثمارها ، وحن إلى قصورها وحبورها ، هكذا المؤمن جسده هنا روحه هناك ، وعلامة الشوق إلى الله ترك الذنوب وعدم الإصرار عليها لقد كان صلى الله عليه وسلم يقول"أسالك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك" والله يعلل المشتاقين برجاء اللقاء فيقول " من كان يرجوا لقاء الله فان أجل الله لآت"أي أعلم أنكم ياعبادي المؤمنين أنكم مشتاقون للقائي فالأجل آت وعن قريب تصلون , وقد اشتاق موسى للقاء الله وهو في الدنيا فقال "وعجلت إليك ربي لترضى "وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقى المطر بتوبة ويقول شوقاً لربه "إنه حديث عهد بربه" ولما حضر الموت معاذ بن جبل قال:اخنق خنقك فوعزتك إني أحبك مرحبا بالموت جاء على فاقه .
فيا عبد الله .. ، ما أحلى زماناً تتوب فيه إلى ربك ،وتجد حياتك مع خالقك ،أخي إما أن تحرق قلبك بنار الندم على الذنوب وإلا فسيصاح بك على رؤوس الأشهاد ولا ينفع الندم يوم التناد والله ما أعظم شوق المشتاقين إلى ديارهم التي هبط منها أبوهم"يا بني ادم لا يفتننكم" فنسأل الله أن يرزقنا الشوق إلى لقائه في غير ضراء مضره ولا فتنة مضلة وأن يردنا إليه رداً جميلاً .
حشرني الله وإياكم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وجمعنا بهم في أعلى عليين.على سرر متقابلين ،والمسلمين أجمعين الأحياء منهم والميتين.
الشيخ/ عبدالله سالم الصاعدي أبو البراء
عباد الله .. خلق الله الخلق بقدرته , وأقام الملكوت بعزته ، فسبحانه من خالق يسبح الرعد بحمده ، والملائكة من خيفته ، والإنسان خلق من خلق الله ،وذره حقيرة من هذا الملكوت العظيم يقول تعالى ((أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين)) , هذا المخلوق فضله الله وكرمه ، وسخر له من النعم ما لا يحصى وألهمه ..لما أراد الله إيجاده ،جمع من الأرض من التراب ألوانا ، فقبض من جميع الأرض حتى كونها إنسانا.. فخرج بنو ادم في ألوان شتى، وبطبائع متباينة ، منهم اللين والصعب ، والأسود والأبيض ، والأحمر والأشقر ، وأصلهم واحد قال تعالى (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا )) ويقول صلى الله عليه وسلم (( كلكم لآدم وآدم من تراب)) فكون الله آدم أبانا من تراب فنحن من تراب والتراب لابد أن يكون مرجعه إلى التراب .
عباد الله..لقد مر خلق أبينا آدم بمراحل شتى أولها تراب ثم طين لازب ثم اشتد فغلظ فأصبح كالفخار ، فتركب الجسد بقدرة الباري جسداً بلا روح ،وتمثالاً بلا حراك .. والمرء أيها الناس مراحل تتوالى ، وحياة تفنى يقول المولى جل وعلا ((لتركبن طبقا عن طبق))أي حالا بعد حال .
أيها الإنسان ..خلق الله أباك آدم عليه السلام بيديه المقدسة تكريماً وتشريفاً فأبقاه في الجنة تمثالا ً قائماً فكان إبليس يمر عليه ويطيف به ينظر إليه ، فلما رآه أجوف عرف انه خلق لا يتمالك.
وربنا سبحانه خلقنا ضعفاء فقراء فعلم ذلك ولذا أنزل علينا ما ندفع به شر الشيطان وأخبرنا انه كيد الشيطان كان ضعيفا ليس له سلطان إلا على الذين يتولونه ويطيعونه..ولا قدرة للمرء على دفع كيد الشيطان إلا بالله يقول تعالى لإبليس ((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)) .
أيها الإنسان ...لما أراد الله تعالى بث الحركة في أبيك آدم نفخ فيه الروح،فدبت الحياة في أعضائه تأثر خيشومه فعطس فحمد الله فقال له ربك يرحمك الله يا آدم .
نعم أيها الإنسان ...أول كلمة نطق بها أبوك : الحمد لله , فالله ربنا له الحمد ويحب الحمد وهو أهل للحمد وله الحمد في المبدأ و المنتقى فحري بالمسلم أن يحمد الله تعالى على نعمه العظيمة ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها )) , لقد حمد الله نفسه عند بدء الخلق و في نهايته ، وأهل الجنة يحمدونه لكمال فضله ، وأهل النار يحمدونه لكمال عدله قال تعالى: ((وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ))وإن الرب سبحانه ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها.
أيها المسلم ...نفخ الله في أبيك الروح كما أمر جبريل ينفخها في جيب مريم فكما جعل الله تعالى التراب جسداً يتحرك بقدرته جعل امرأه تحمل جنيناً بلا زوج يقول تعالى ((إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون )) نفخ الله الروح في آدم عليه السلام بعد العصر في يوم الجمعة وهو خير أيام الأسبوع فيه خلق أبونا ، وفيه ادخل الجنة وفيه اخرج منها وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة.
كان أبوك آدم أيها المسلم ستون ذراعا ً في صورة جميلة خلق كامل لا نقص فيه ، صوره ربك فأحسن صورته ، شق له سمعه وبصره بحوله وقوته "فتبارك الله أحسن الخالقين" ومن صور ذا روح من غير ضرورة فقد ضاها الله في خلقه والمصورون أشد الناس عذابا يوم القيامة .
وهكذا قام جسد أبيك وأصبح التراب قلبا ًيعقل وعينا تبصر وأذنًا تسمع وجوارح تتحرك ، لقد أصبح التراب ذا إدراك وشعور ،وذا حزن وسرور لقد أودع الله فيه من الإبداع ما لا يحصى وصدق ربك إذ يقول "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" .
أيها الإنسان ...خلق الله أباك عليه السلام ثم قال له : يا آدم اذهب إلى أولئك النفر أي من الملائكة فسلم عليهم فاستمع ما يحيونك ، فإنها تحيتك و تحية ذريتك, فذهب فقال السلام عليكم.فقالوا :وعليكم السلام ورحمة الله . فقالوا:وعليكم والسر في ذلك والله أعلم أن آدم يحمل في صلبه أقواما مؤمنين يتعاقبون بعده،وأنت تقول في صلاتك: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين, وكثير من المسلمين اليوم رضي بتحية الإفرنج ورطالة غير المسلمين "أيبتغون عندهم العزة"وهم أهون على الله من البهائم "والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام "وهذا في الدنيا وبعد ذلك أين مقرهم وماهي حقيقتهم قال سبحانه"والنار مثوى لهم".
يا عبد الله .. لقد أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم سجود تحية لا عبادة: فأذعنوا كلهم لأنهم لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وكان إبليس من الجن ففسق وأعرض وقدم رأيه على أمر الله وأخذ يتبجح برأيه ويحط من أمر الله تكبرا وعناد"قال أنا خير منه"ثم دلل على خيريته بما يضحك منه العقلاء فقال: "خلقتني من نار وخلقته من طين "ومتى كانت النار خيرا من الطين؟تحرمه الأشجار والطين تنبت فيه الأزهار ولكنه الكبر والعناد فباء بغضب من رب العباد فطرده الله ولعنه , وأخرجه وأهانه, وتأمل يا من تترك الصلوات لقد أعرض إبليس عن سجدة واحدة وفي المسلمين من يسمع النداء ويأبى إلا النوم و الإعراض فيا ليت شعري أي مصير يرجوه ؟ وأي حال يتمناه؟ فليحذر تارك الصلاة من سخط الله, فالله بالمرصاد باء إبليس بالخذلان لأنه قدم رأيه على أمر ربه والدين ليس بالرأي بل هو الانقياد والإتباع يقول علي :لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه , ويقول عمر:إنا نتبع ولا نبتدع ونقتدي ولا نبتدي ، مانضل إن تمسكنا بالأثر".
أيها المسلم ...أمر ربك آدم عليه السلام فقال" يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة" ثم نهاه عن الأكل من شجرة في الجنة وليس في الجنة شجرة لايصلح للأكل ولكن الله يفعل ما يشاء, فنهى آدم امتحاناً ليظهر وهو يعلم أن آدم لا يصلح في خلقه هذا أن يسكن الجنة وأنه ركب لدار الابتلاء فلما أمره مازال إبليس يغريه ويقسم له حتى أوقع أباك في حمإ المعصية فبدت عورة آدم وحواء فطفقا يخطفان عليهما من ورق الجنة .
فيا عبد الله .. لقد أكل أبوك من الشجرة ليخلد في الجنة فطلب الخلود من غير أمر الله فحرم ذلك, كما طلب يوسف الخروج من السجن بأمر لا يريده الله فلبث في السجن بضع سنين, ومن طلب رضا الله بغير أمر الله نال الخذلان ومن أصر على معصية الله ظهرت عورته وفضح أمره وأي عورة أشد من ضياع الدين وانعدام الراحة وحرمان الرزق مع لذة الإيمان , ثم نادى الله آدم وحواء فقال" ألم أنهاكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين" فوبخهما على انتهاك نهيه أولا ثم عاتبهما على نسيان عداوة الشيطان ، وهذان الأمران أعني غلبة الشهوة ثم النقلة عن عداوة الشيطان للعبد هما السبب الواضح في اقتحام الذنوب ، ومن غلب شهوته واستحضر عداوة الشيطان له هانت عليه الذنوب وتيسر له البعد عن المعاصي ولو أذنب رجع وأناب ، ولم يصر على الأعراض وأعلم أن الغفلة داء عضال ، وسم قاتل يميت النفس ،لا يخاف الغافل عاره،ولا يخشى الله ناره ،ونسي المحروم قول الحي القيوم "استجيبوا أمر ربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله مالكم من ملجأ يومئذ ومالكم من نكير ".
أيها المسلم ...لما عاتب ربك أباك، وندم أبوك ندم عظيما، وافتقر إلى الله افتقارا جليلا, فاعترف بان الظلم منه ، والله منزه عنه أما عدوك إبليس فنزه نفسه عن النقص ورمى حكم الله بالظلم , اعترف أبوك بأنه لا راحم إلا الله فأذعن, أما إبليس فليس إلا خبث الكبر فلم يستنكن, أفتتخذه صديقا لك يلعب بك على أي حال ذات اليمين وذات الشمال, لقد تاب أبوك وافتقر لخالقنا ، ولهجت معه أمنا لرازقنا "قالا ربنا ظلمنا أنفسنا" فاعترفا بالعيب والنقص ولله الكمال من كل وجه ثم افتقرا إلى رحمة ربنا فقالا"وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" فأدركت أباك رحمة خالقه ، وحفته نفحة موجده ، فاجتباه ربك وقربه فغفر الذنب وزالت العقوبة وظهر علم الله في ادم وأنه ركب في خلق لا يصلح لسكنى الجنة بل خلق لدار الابتلاء قال تعالى"تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير , الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" والله إذا تاب على عبده لا يأخذه بالتبعة, فكن يامسلم كأبيك حينما غلب الهوى وتاب من زلته فربك لا يحجبك عن رحمته, وأبوك اقترف ذنباً واحداً ومع هذا يأتيه بنوه يوم القيامة فيقولون له "يا آدم أنت أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك , اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ماقد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضبا، لم يغضب قبله مثله ،ولن يغضب بعده مثله , وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته , نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري , فاحذر ياعبد الله الذنوب فإنها وبال فطوبى لمن تاب واعتذر، ويا حسرة من تكبر وأدبر
لقد عاش آدم عليه السلام ما شاء الله أن يعيش،ولما حضره الموت قال لبنيه: أي بني ، إني اشتهي من ثمار الجنة فذهبوا يطلبون له. فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل , فقالوا لهم : يا بني ادم , ما تريدون وأين تذهبون؟ قالوا:أبونا مريض فاشتهى من ثمار الجنة ، قالوا لهم:ارجعوا فقد قضي قضاء أبيكم فجاءوا فلما رأت حواء الملائكة عرفتهم فلاذت بآدم لعلها تريد منه أن يختار الدنيا لان الأنبياء يخيرون عند الموت فلذا قال لها آدم عليه السلام :إليك عني فإني أوتيت من قبلك يشير إلي حادثة أكله من الشجرة وقال لها : خلي بيني وبين ملائكة ربي تبارك وتعالى فلما جلسوا عنده قبضوا روحه فهي أول روح تقبض , ثم رجع جسده كما كان قبل النفخ فيه كأن لم يكن ثم غسلته الملائكة وكفنوه وحنطوه ، وحفروا له وألحدوا له ، وصلوا عليه ثم دخلوا قبره ووضعوه فيه ووضعوا عليه اللبن فخرجوا فحثوا عليه التراب فرجع إلى ماكان وقالوا لبنيه:هذه سنتكم .
عباد الله..اشتاق أبونا لداره الأولى فاشتهى شيئا من ثمارها ، وحن إلى قصورها وحبورها ، هكذا المؤمن جسده هنا روحه هناك ، وعلامة الشوق إلى الله ترك الذنوب وعدم الإصرار عليها لقد كان صلى الله عليه وسلم يقول"أسالك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك" والله يعلل المشتاقين برجاء اللقاء فيقول " من كان يرجوا لقاء الله فان أجل الله لآت"أي أعلم أنكم ياعبادي المؤمنين أنكم مشتاقون للقائي فالأجل آت وعن قريب تصلون , وقد اشتاق موسى للقاء الله وهو في الدنيا فقال "وعجلت إليك ربي لترضى "وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقى المطر بتوبة ويقول شوقاً لربه "إنه حديث عهد بربه" ولما حضر الموت معاذ بن جبل قال:اخنق خنقك فوعزتك إني أحبك مرحبا بالموت جاء على فاقه .
فيا عبد الله .. ، ما أحلى زماناً تتوب فيه إلى ربك ،وتجد حياتك مع خالقك ،أخي إما أن تحرق قلبك بنار الندم على الذنوب وإلا فسيصاح بك على رؤوس الأشهاد ولا ينفع الندم يوم التناد والله ما أعظم شوق المشتاقين إلى ديارهم التي هبط منها أبوهم"يا بني ادم لا يفتننكم" فنسأل الله أن يرزقنا الشوق إلى لقائه في غير ضراء مضره ولا فتنة مضلة وأن يردنا إليه رداً جميلاً .
حشرني الله وإياكم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وجمعنا بهم في أعلى عليين.على سرر متقابلين ،والمسلمين أجمعين الأحياء منهم والميتين.
الشيخ/ عبدالله سالم الصاعدي أبو البراء